أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

365

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنه متعلق ب « يُؤْتِ » و « من » للابتداء مجازا . والثاني : يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « أَجْراً » فإنه صفة نكرة في الأصل قدّم عليها فانتصب حالا . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 41 إلى 42 ] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) قوله تعالى : فَكَيْفَ : فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف أي : فكيف حالهم أو صنعهم ؟ والعامل في « إِذا » هو هذا المقدر . والثاني : أنها في محلّ نصب بفعل محذوف أي : فكيف تكونون أو تصنعون ؟ ويجري فيها الوجهان : النصب التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه ، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش ، وهو العامل في « إِذا » أيضا . والثالث : - حكاه ابن عطية عن مكي - أنها معمولة ل « جِئْنا » ، وهذا غلط فاحش . قوله : مِنْ كُلِّ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « جِئْنا » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « شهيد » ، وذلك على رأي من يجوّز تقديم حال المجرور بالحرف عليه ، وقد تقدم تحريره . والمشهود عليه محذوف أي : بشهيد على أمته . والمثقال : مفعال من الثّقل وهو زنة كل شيء ، والذّرّة : النملة الصغيرة ، وقيل : رأسها ، وقيل : الخردلة ، وقيل : جزء الهباءة ، عن ابن عباس : أنه أدخل يده في التراب ثم نفخها وقال : « كلّ واحدة منه ذرة » والأول هو المشهور ؛ لأن النملة يضرب بها المثل في القلة ، وأصغر ما تكون إذا مرّ عليها حول ، قالوا لأنها حينئذ تصغر جدا ، قال حسان : 1590 - لو يدبّ الحوليّ من ولد الذّر * ر عليها لأندبتها الكلوم « 1 » وقال امرؤ القيس : 1591 - من القاصرات الطّرف لو دبّ محول * من الذرّ فوق الإتب منها لأثّرا « 2 » قوله تعالى : وَجِئْنا بِكَ في هذه الجملة ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 223 ) ، البحر ( 3 / 250 ) . أندبتها : أثرت فيها ، من الندب وهو أثر الجرح . والكلوم : الجراحات . ( 2 ) انظر ديوانه ( 65 ) ، البحر ( 2 / 206 ) . القاصرات الطرف : أي ممن قصرت أعينهن عن النظر إلى من ليس لهن من الرجال . لودب محول من الذر : بمعنى الذر الصغير جدا على الأتب : القميص غير المخيط الجانبين الذي كانت تلبسه لأثر في جسمها ، وهذا نهاية من الرقة واللطف ، وهو دليل على أنها نشأت من نعمة ورفاهية .